تعقيبا على المفدمة التي بدأت بها قبل القصيدة أو بمعنى سبب طرح هذه القصيدة الشامخة في عذه المداخلة ، فقد عرضت قناة "المستقلة" طوال السنوات الثلاث الماضية بعض "المناظرات" بين أتباع المذاهب الإسلامية المختلفة. وربما رأى بعض المتابعين لهذه المناظرات أنها سيئة جدا لأنها توسع شقة الخلاف بين المسلمين بدلا من إشاعة التعاذر بين طوائفهم المختلفة.إلا أنه يبدو أن لهذه المناظرات فوائد أخرى لا يمكن نكرانها. وأول هذه الفوائد أنها أبرزت إلى العلن ما يحاول المتنفذون في المذاهب المختلفة دائما إخفاءه عن أعين البسطاء من المسلمين الذين يسعون إلى إدارة حياتهم اليومية بعيدا عن الخوض في الجذور التاريخية والعقدية للاختلاف بين المسلمين. فهؤلاء البسطاء من المسلمين لا يتكلفون البحث عن معايير دقيقة لتصنيف المسلمين؛ بل يصفونهم بأنهم جميعا مسلمون إذا رأوهم يحققون الحد الأدنى من الشعائر الإسلامية وإن اختلفت عن الشعائر التي يمارسونها هم.لقد مل المسلمون من شعارات "التقريب" بين المذاهب الإسلامية لأنهم اكتشفوا أن المقصود من هذا التقريب لا يبعد أن يكون دعوة كل فريق للفريق الآخر بأن يتخلى عن اعتقاداته وممارساته "الخاطئة" ويتبنى الاعتقادات التي يعتقدها الفريق الأول والممارسات "الصحيحة" التي يمارسها هو. لقد اكتشف كثير من المسلمين أن هناك قدرا كبيرا من التمويه في هذا السبيل طوال السنين الماضية التي كانت تتردد خلالها شعارات التقريب بين المذاهب، وتحققوا الآن أن لتلك الجهود غايات إقصائية إلغائية في الغالب، وهو ما جعلها لا تثمر شيئا.ومع أن لهذه المناظرات فائدة كبيرة في كشف الهوة العميقة التي يبدو أنها لا تكاد تقبل التجسير بين الفرق الإسلامية المختلفة إلا أنها كشفت أيضا عن أمر مهم جدا يجب أن نركز عليه ونهتم به إن أردنا تجسير هذه الهوة.ويتمثل هذا الأمر المهم في أن المشاركين في هذه المناظرات، ومن يماثلهم، يمثلون السبب الرئيس لاستحالة نزع فتيل الخلاف والتنابذ والإقصاء.وسبب كون هؤلاء وأمثالهم يمثلون حجر عثرة في سبيل القضاء على هذا التنابذ والخلاف والإقصاء أن كل فريق يأتي إلى الحوار وهدفه الأساس أن يبين أن مذهبه هو الحق والمذاهب الأخرى ضلال مبين. ويحاول هؤلاء شتى الحيل في التلبيس على البسطاء من المسلمين؛ ومن هذه الحيل أن يلجأ كل فريق إلى مصادر الفريق الآخر ليلتمس فيها ما يدعم موقفه هو من روايات يؤولها بالطريقة التي تتماشى مع معتقداته التي انطلق منها. وهذا ما جعل هذه المناظرات تتسم بكثير من الغش والتلبيس والإيهام.وليس من الممكن لمثل هذه المناظرات أن تكون على غير هذه الصورة. وسبب ذلك أن المشاركين في هذه المناظرات أنفسهم ليسوا إلا ضحايا للمصادر التي تربوا عليها. فهم لا يرون حقا إلا ما علمتهم إياه هذه المصادر نفسها أنه الحق. والأخطر من ذلك أنه ليس بإمكان هؤلاء التجرد من هذه التربية الطويلة التي أغلقت عليهم منافذ النظر خارج حدود ما رُبُّوا عليه.وليس هناك خلاف على ضرورة التخفيف من هذا التباعد بين المسلمين. لكن الواضح أن السبيل الذي تمثله هذه المناظرات ليس السبيل الصحيح في هذا الاتجاه؛ ذلك أنه يوسع الهوة بين الفرقاء بدلا من البحث عن المشتركات بين المذاهب ومحاولة التماس الفرقاء الأعذار بعضهم لبعض.وتصور هذه المناظرات العداء التاريخي بين هذه المذاهب الذي استمر أكثر من ثلاثة عشر قرنا. ولم ينجح المسلمون طوال العصور في تخفيف حدته؛ بل الواقع أنه يزداد احتداما بمرور الزمن خاصة في الزمن الحاضر الذي استخدم فيه الفرقاء وسائل اتصالية شديدة الأثر في نشر التهم الإقصائية على نطاق واسع. وتكفي زيارة واحدة لبعض المواقع على الإنترنت في تبيين مدى الضغينة والحقد والكذب والبهتان والتكفير الذي يبثه المشاركون في هذه المواقع بعضهم ضد بعض.لذلك كله فإن الفائدة الوحيدة لهذه المناظرات أنها تنبه الغافل والمحايد لمدى الأخطار المحدقة بالمسلمين الذين يتعرضون صباح مساء لهذه الخطابات العدوانية الإقصائية. وليس من المستبعد أن تكون هذه المناظرات مفتاحا لمزيد من الخصام الذي لابد أن يتطور إلى عداء لا يتورع المشاركون فيه عن استخدام أبشع الوسائل في محاولة القضاء على الآخرين.والسؤال الآن: ما السبيل الذي يمكن أن يكون ناجعا لتخفيف هذا العداء وتقليل فرص المواجهة التي لابد أنها ستكون شرسة ودموية؟وربما اقترح بعض المهتمين بأن يسند إلى العقلاء غير المؤدلَجين من المنتمين إلى هذه المذاهب مهمة التقريب بينها. ولا شك أن هناك بعضا من هؤلاء في كل فرقة إسلامية، لكنهم قلة ومحدودو الأثر أمام المد الإيديولوجي الذي يبلغ حدودا قصوى من الشراسة والعدوانية والميل إلى المفاصلة مع الآخرين.كما أنه يبدو مستحيلا أن نجد شخصا محايدا تماما ممن ينتمي إلى المؤسسات الدينية الممثلة لأي من هذه الفرق. وسبب ذلك كما قدمت أن هؤلاء أنفسهم ليسوا إلا نتاجا للتربية التي تربوا عليها، وهي التي لا يمكن أن ينتج عنها في الأغلب الأعم إلا إغلاق منافذ النظر الأخرى خارج تلك المصادر التقليدية التي نشأوا عليها واستمروا في النهل منها والرجوع إليها. ذلك أن تعلُّم الواحد من هؤلاء إنما يمثل إعادة إنتاج لما تقوله المصادر التقليدية التاريخية لمذهبه. وهذا ما يحرمه من التمتع بفضيلة الحياد العلمي التي تجعله يتجرد من شهوة الانتصار لما نشأ عليه وعُلِّم بأنه هو الحق وأن ما عداه هو الباطل.أما البديل الممكن كما يبدو لي فهو إنقاذ هذه المذاهب من هؤلاء الذين يرون أنفسهم أنهم سدنتها التقليديون وأنهم حراس الحقيقة الوحيدون.ويمكن أن يتحقق هذا الإنقاذ بإسناد هذه المهمة للمتخصصين في العلوم الإنسانية الحديثة لدراسة هذه المذاهب بوصفها نتاجا للتاريخ السياسي والاقتصادي والاجتماعي للمسلمين منذ عهد التأسيس إلى الآن.ويمكن أن يكون هؤلاء من المتخصصين في اللسانيات وعلم الاجتماع وعلم النفس وعلم الاقتصاد وعلوم السياسة والعلوم المهتمة بنشأة الأساطير عن البدايات التاريخية والأناسة "الأنثروبولوجيا" وعلوم الأديان المقارنة، وغير ذلك من التخصصات في العلوم الإنسانية التي تكشف عن الطبيعة الإنسانية وتحققاتها في ظواهر السلوك الإنساني.وبما أن هؤلاء المتخصصين مدربون على المنهجية العلمية البريئة من الانحياز لأي طرف فسوف يمكنهم ذلك بكل تأكيد من دراسة الظروف التي نشأت فيها هذه الفرق، وسوف يتمكنون من اكتشاف الأسباب التي أدت بما نشأ كأنه خلاف في الرأي إلى أن يتحول إلى كونه مصادرة لحق الآخرين في الاختلاف وادعاء امتلاك الحقيقة وقسر الآخرين على اعتناق ما لا يطمئنون إليه من أشكال التدين ومحاربتهم ومحاولة القضاء عليهم إذا ما تأبوا على الامتثال والخضوع. إن المستوى العالي المخيف للعداوة الذي أوضحته تلك المناظرات يجب أن يكون دافعا قويا لكل غيور على الإسلام ولكل حريص على شيوع السلام بين المسلمين وعلى صورة الإسلام نفسه عند غير المسلمين أن يبرأ من هذا التنازع الطائفي البغيض.ومما يخفى على المشاركين في تلك المناظرات ويجعلهم يتورطون في أشد أنواع المنازعة أنه لا يمكن لأي بشر سوي أن يعتنق دينا أو مذهبا أو رأيا وهو يعرف معرفة حقيقية أن هذا الدين أو المذهب أو الرأي غير صحيح أو أنه مرجوح. لذلك كان الأحرى بهؤلاء أن يبينوا، بحيادية، مذهبَهم من غير أن يدّعوا أنه هو وحده الحق وأن المذاهب التي يتبعها الآخرون هي الباطل. ولو تحقق هذا الحد الأدنى من عرض ما يتمذهب به هؤلاء على الآخرين من غير ادعاء بامتلاك الحقيقة ومن غير ادعاء بأن الآخرين على خطأ لوجدنا بعض المنتسبين لهذه المذاهب يراجعون أنفسهم ويتخذون مواقف أقل عدوانية من المواقف التي يتخذونها الآن وربما كان ذلك بسبب شحذ هذه المناظرات لأسوأ الغرائز الإنسانية التي تتمثل في شهوة التغلب وفي احتقار الآخرين وتدنيس ما يقدسون.لقد تعرضت أديان كثيرة لمثل هذا التنازع، ومنها المسيحية في الغرب. وكان ذلك التنازع سببا لحروب عنيفة ومذابح مفزعة لقرون طويلة. ولم يتمتع الغرب بالسلام الداخلي إلا بعد أن حل مشكلة التعصب الديني بين طوائفه وأخذ كل فريق يسعى إلى التعايش السلمي مع الآخرين واحترام اختياراتهم الدينية التي يتمذهبون بها. وربما كان هذا درسا لنا نتعلم منه لنوفر على أنفسنا تلك الطاقة التي نبذلها دائما في البحث عما يفرقنا عن الآخرين ويبعث على العداوة معهم وغرس الضغائن في النفوس وإلغاء حق الآخرين في أن يعتقدوا ما تطمئن إليه نفوسهم.ومما يشهد بضرورة هذا الموقف أن التعدد صار سمة للدولة الحديثة. ولما كان السلام الداخلي ضروريا لها فإن من أهم عوامله المساواة بين جميع المواطنين وترك الحرية لهم لأن يعتقدوا ما تمليه عليهم ضمائرهم. أما دوام الخصومات المذهبية فيمثل واحدا من أخطر عوامل الفرقة والتنابذ، وهو ما يؤدي إلى بقاء الحزازات التاريخية حية وفاعلة. لذلك لابد من العمل على التعامل بحكمة مع هذا السبب الذي يفوق الأسباب الأخرى في كونه أداة لعدم استقرار الدولة وغياب السلام الداخلي بين مواطنيها.
شاعرنا القدير : صبري
قصيدتك رائعه كروعة صاحبها ، لافض فوك أيها الرائع ولا جف لك يراع ، ودام قلمك محلقاً ودام سناؤك بارقا
تحياتي لك ولقلمك البليغ
دمت بود